مراجعة فيلم صوت هند رجب
The Voice of Hind Rajab (2025)
ساعة ونصف على خط هاتف واحد، وصوت طفلة لن يغادر رأسك بعد انتهاء الفيلم
يستاهل، لكن جهّز نفسك. كوثر بن هنية تبني الفيلم كله حول التسجيل الحقيقي لاستغاثة هند رجب، فتتحول غرفة طوارئ صغيرة إلى شهادة لا تُنسى. لمن يريد أن يفهم ما حدث في غزة من الداخل، بلا خطابات.
القصة بدون حرق
في التاسع والعشرين من يناير 2024، يتلقى متطوعو الهلال الأحمر الفلسطيني في رام الله اتصالًا طارئًا. على الطرف الآخر طفلة في الخامسة اسمها هند رجب، عالقة داخل سيارة تحت النار في غزة، تتوسل أن يأتي أحد لإنقاذها. يحاول المتطوعون إبقاءها على الخط وطمأنتها، بينما يخوضون معركة مع الإجراءات والتنسيقات كي تصل سيارة إسعاف إليها. الفيلم يجري كله تقريبًا داخل مركز الاتصال، على إيقاع صوتها الحقيقي.
رأينا بالتفصيل
قرار كوثر بن هنية الأذكى أنها لم تُرِنا غزة. الكاميرا لا تغادر مكتب الهلال الأحمر تقريبًا، والحرب تصلنا عبر سماعة هاتف وتسجيل صوتي حقيقي لطفلة خائفة. هذا الحصار المكاني يجعل المشاهد في موقع المتطوعين نفسه: يسمع ولا يستطيع الوصول. المخرجة التونسية التي سبق أن خلطت الوثائقي بالروائي في «بنات ألفة» تذهب هنا أبعد، وتضع الصوت الأصلي في قلب عمل تمثيلي.
معتز ملحيس وسجى كيلاني يحملان الفيلم على أكتافهما. ملحيس يؤدي الغضب المكتوم لرجل يعرف أن كل دقيقة تأخير لها ثمن، وكيلاني تمنح لحظات الحديث مع الطفلة رقة مرتجفة تكسر القلب دون مبالغة. عامر حليحل وكلارا خوري يكملان الصورة بشخصيات تمثل البيروقراطية المرهقة التي تقف بين النية والفعل، ولا يتحولان إلى أشرار، وهذا ما يجعل المشاهد أكثر إيلامًا.
الإيقاع متوتر من الدقيقة الأولى حتى الأخيرة، والمدة القصيرة، 89 دقيقة، في مكانها تمامًا. لا موسيقى تصويرية تفرض عليك البكاء، ولا لقطات استعراضية. الصمت بين المكالمات أثقل من أي مؤثر. نال الفيلم جائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان البندقية 2025، ويستحقها لأنه يرفض الاستعطاف الرخيص ويكتفي بالحقيقة.
أكثر ما يميز الفيلم هو تعامله مع الوقت. الساعات التي قضاها المتطوعون على الخط تُعرض بإحساس الزمن الحقيقي، فتشعر بثقل كل دقيقة انتظار لموافقة تسمح بتحرك سيارة الإسعاف. الكتابة لا تشرح السياسة ولا تلقي محاضرات، بل تضعك أمام آلية العجز نفسها: هواتف ترن، وخرائط على الشاشات، وموظفون يعرفون أن القرار قد يأتي متأخرًا. وحين يرتفع صوت هند الحقيقي بين المشاهد التمثيلية، يذوب الحد بين السينما والوثيقة، وتدرك أن ما تسمعه لم يكتبه أحد. هذا الخلط خطير فنيًا، لكن بن هنية تديره بحذر واحترام لا يسقطان في الاستغلال.
قد يرى البعض أن الشكل المسرحي يحدّ من السينما، وأن بعض الحوارات بين المتطوعين تشرح أكثر مما يلزم. لكن هذه ملاحظات صغيرة أمام عمل يحفظ ذاكرة طفلة باسمها وصوتها. شاهده حين تكون مستعدًا نفسيًا، ويُفضّل ألا تشاهده وحدك.
ما أعجبنا
- استخدام التسجيل الصوتي الحقيقي بحساسية واحترام
- أداء معتز ملحيس وسجى كيلاني صادق ومكتوم
- إيقاع مشدود ومدة مضبوطة بلا حشو
- يرفض الموسيقى الاستعطافية ويترك الصمت يتكلم
ما لم يعجبنا
- المكان الواحد قد يبدو مسرحيًا لبعض المشاهدين
- ثقل عاطفي شديد يصعب احتماله على كثيرين
يناسبك إذا: لمن يريد فيلمًا عربيًا صادقًا يوثق مأساة غزة من زاوية إنسانية محددة.
لا يناسبك إذا: لمن يمر بظرف نفسي صعب أو يبحث عن سهرة خفيفة.
الدليل العائلي
لا مشاهد دموية، لكن أصوات إطلاق النار واستغاثة الطفلة الحقيقية مؤلمة جدًا للصغار والحساسين.
- عنف
وأنت، شو رأيك؟
شاهدت صوت هند رجب؟ قل لنا إن كان يستاهل.





